الشيخ محمد رشيد رضا

127

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لا يقتل به المسلم لما ورد في ذلك من الحديث الصحيح المبين لاجمال الآية . واستثني من عمومها السيد يقتل عبده قالوا لا يقتل به ولكن يعزر ولا يعرف في ذلك خلاف الاعن النخعي . قال الأستاذ الامام : وللحاكم ان يقرر هذا التعزير بشدة تمنع الاعتداء والاستهانة بالدم ولا يخفى ان التعزير قد يكون بالقتل فإذا عهد في قوم من القسوة ما يقتلون به عبيدهم فللامام ان يقتل السيد بعبده تعزيرا لا حدا إذا رأى المصلحة العامة في ذلك . واستثنوا أيضا الوالدين فقالوا لا يقتل الوالد بولده وعلله الأستاذ الامام بأن الحدود توضع حيث تتحرك النفوس للجناية لتكون رادعة عن الاستمرار فيها ، وقد مضت السنة الإلهية في الفطرة بأن قلوب الأصول مجبولة من طينة الشفقة والحنو على الفروع حتى ليبذلون أموالهم وأرواحهم في سبيلهم وكثيرا ما يقسو الولد على والده وقلما يقسو والد على ولده الا لسبب قوي كعقوق شديد أو فساد في اخلاق الولد جنى على أصل الفطرة كالافراط في حب الذات ولكن هذه القسوة لا تفضى إلى القتل الا لامر يكاد يكون فوق الطبيعة كعارض جنون من الوالد أو ايذاء لا يطاق من الولد ولما كان هذا شاذا نادرا جعل كالعدم فلم يلاحظ في وضع الحد ، لان الاحكام تناط بالمظنة لا بالشواذ التي يندر ان تقع ، ومع هذا يعزر من يقتل ولده بما يراه الحاكم لائقا بحاله ومربيا لا مثاله ( وأقول ) ان أعظم أسباب هذا الشذوذ في الوالدين طغيان الحكم الاستبدادي وجنون العشق فكثيرا ما قتل الملوك أولادهم ، وكانت سنة سلاطين آل عثمان أن تسلم القوابل أبناء اسرتهم كلهم للقتل عقب الولادة الا من يسمى ولى العهد الوارث للسلطنة ، ويلي ذلك قتل الوالدين حتى الأمهات بثوران جنون العشق « 1 » وقد اضطرب العلماء في تعيين المخاطب بهذا القصاص إذ لا يصح ان يكون القاتل ولا المقتول ولا ولي الدم ولا عصبة القاتل ولا سائر الناس الأجانب ولا يظهر أيضا ان المخاطب بقوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ )

--> ( 1 ) من أخبار جرائد مصر في هذا الوقت ( شهر رمضان سنة 1350 ) ان امرأة قتلت ابنتها شر قتلة لان وجودها معها ينغص عليها التمتع بمعشوقها وقد تعدد مثل هذا الفساد الوالدي في ديار مصر والعياذ باللّه تعالى